الجمعة، 17 يناير 2014

في العالم المجنون

الحلقة الثالثة العشرون من رحلتي مع سرطان الثدي

عالم مجنون هذا الذي نعيش فيه.. الكل يركض..بهدف وبدون هدف.. الكل يجري وراء شيء ما.. وخلال الركض.. للدراسة.. للعمل.. لتحصيل الرزق وحتى للمتعة.. لا يبقى للانسان وقت ليتحسس إنسانيته..ليعرف نفسه.. ليذكر من هو.. وماذا يريد..

حتى الدقائق التي يمكن استغلالها هنا وهناك والتي أسميها "قصاصات الوقت" كأوقات الانتظار في السيارة والمواعيد المختلفة وفي المواصلات العامة.. صارت محجوزة لسيل من أخبار الناس وهراءاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.. وسيل من فيديو اليوتيوب المضحكة والمسلية.. وصار كل انسان "مشبوكا" بالسماعات بهاتفه الذكي الذي يمطره في دقائق خلوته بسيل من الهراء ليشغل دقائق فراغه..وكأنما لم يعد الانسان يحتمل أن يجالس نفسه.. كأنما صار يستوحش من نفسه فيريد ضيوفا ونزلاء على عقله في كل لحظة كائنا من كانوا.. وما أشقى من يستوحش نفسه ولا يطيق مجالستها..


في هذا الزمن.. صارت رياضة التأمل.. أو سمها ان شئت عبادة التفكر طوق النجاة لنا جميعا.. أن تخصص من يومك دقائق.. تجالس فيها نفسك..بلا تشويش ولا ضوضاء.. بل وبلا أفكار عن الدنيا ومشاغلها.. أن تقضي دقائق كل يوم تعرف فيها نفسك.. وتأنس بها.. وتستشعر عمق انسانيتك..

 ..في قسم خاص بمستشفى MHG المستشفى الرئيسي لجامعة هارفارد يقوم الباحثون بدراسة تأثير هذه الدقائق من التأمل على الانسان ويرون عجبا.. فليس تأثيرها على نفسية الانسان فحسب من جعله أقل عرضة للقلق والاكتئاب بل وعلى جسده كذلك فهي تهبط الضغط المرتفع وتقلل سرعة نبض القلب وتساعد في مقاومة الالتهابات وأمراض المناعة بل وتقوم فعلا بتغيير شفرة الجينات والبروتينات المصنعة منها داخل كريات الدم البيضاء..كل هذا تقوم به 20 دقيقة من التأمل في اليوم.. الذي اشترطوا فيه ان تجلس في مكان هادئ بلا مقاطعات (ولا هواتف ذكية تطنطن حولك)..وتركز على كلمة واحدة أو معنى واحد.. تكرره داخل قلبك أو على لسانك..فان جائتك أفكار متفرقة من نوع أين ستركن السيارة، ماذا ستتغذى اليوم، هل رد فلان على الإيميل.. فدعها تنزلق من فكرك بهدوء وعاود التركيز على المعنى الواحد مهما يكن هذا المعنى أو هذه الكلمة..

هذا ما يقولونه في MGH.. فكيف إذا كان المعنى هو ذكر الإله الواحد الذي بيده طاقة الكون كلها والذي هو القادر على منح السكينة والطمأنينة والعافية والرزق وكل ما يحتاجه الانسان.. كم هي ثمينة هذه الدقائق.. ثمينة لعقلك المشوش بضوضاء العصر.. ثمينة لقلبك المثقل بالهموم والقلق على الغد.. وثمينة حتى لجسدك ليعيد بناء نفسه بنفسه ويغالب الأمراض التي تتحداه..

ألا تستحق ذاتك 20 دقيقة في اليوم لحياة أسعد؟..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق